توحد

الاندماج في المدارس. #التوحد الجزء الثانى


القصة الرابعة

جسر الملك فهد وقصة الكفاح

جسر الملك فهد كان شاهدا على فصول معاناة إحدى الأسر السعودية التي آثرت قطع مسافة لا تقل عن 70 كيلومترا يوميا بهدف إدراج طفلها في الفترة المسائية الممتدة من الثالثة وحتى السابعة مساء في مركز عالية بعد أن عدمت الوسيلة في أرضها، 10 أطفال من المملكة العربية السعودية معاناتهم واحدة شرفوا مملكة البحرين التي أبت إلا أن تحتضنهم وآخرين بات قبولهم في المركز من يحدد انتقالهم للعيش في البحرين من أقاصي الشمال في الهند ومن الدول الشقيقة في الخليج.

قصة أخرى لأم من الله عليها بطفل جميل الملامح هادئ الطباع، فرحت به وأثلجت صدر زوجها ببكره إلا أن خبر إبلاغها بإصابة طفلها بالتوحد جاء صاعقة وأعاد حساباتها من جديد لتعزم على عدم الإنجاب مجددا لا اعتراضا على حكمة وقدر الله وإنما خوفا من المصير المجهول لابنها.

القصة الخامسة

الخوف من المجهول والقدر

لم يكن إحساس الأطفال وذويهم بالخوف مقتصرا عليهم، فقد شاءت الظروف أن تضع الاختصاصية في تعديل السلوك مريم عون في طريق هؤلاء الأطفال، معلمة فصل بدوام حكومي وراتب ثابت تأتي صباحا وتغادر المدرسة بعد الظهر، جاء ترشيحها كمنتدبة لوزارة التربية والتعليم لتكون اختصاصية في مركز عالية ونظرا إلى حياتها مع خمسة إخوة من المصابين بالتخلف العقلي وتلمُّسها لمعاناتهم قبلت هذا الانتداب بكل رحابة صدر، وشاء القدر أن تلتحق بالمركز وفي أحشائها طفلها البكر، تسعة أشهر صارعت فيها الكآبة والخوف من المجهول خوفا لا يقل عن خوفها من القدر وغدره بأن يكون طفلها مصابا بالتوحد أو التخلف العقلي وبانقضاء شهور حملها من الله عليها بطفل معافى إلا أن إحساسها بخوف لازمها ولاسيما بعد تعلقها بأطفال المركز الذين اعتبرتهم أطفالها.

وبنبرة ملؤها التحدي أكدت عدم ندمها على خوض هذه التجربة، آملة من وزارة التربية والتعليم أن تمدد فترة انتدابها وأن ترق القلوب على هذا المركز وتدعمه بشكل أكبر.

منى خليفة جاءت مشاركتها في المركز اختصاصية تواصل بمحض الصدفة بعد قراءتها لإعلان في الصحف اليومية عن وجود شاغر وظيفي في المركز، وإيمانا منها بثواب هذه النوعية من الأعمال انخرطت في المركز متحدية كل العراقيل لتصاب بالإحباط وتتبدد أحلامها بعد تناقل الصحف لخبر إغلاق المركز، وما أن لاحت في الأفق أصداء تكفل جلالة الملك بدعم المركز حتى تنفست الصعداء، آملة ألا تغفل القلوب الرحيمة السعي لنيل هذا الثواب في الدنيا والآخرة بدعم المركز.

القصة السادسة

التصفيق الأول للإنجاز الوليد

10 أطفال اندمجوا في مدارس المملكة الحكومية ممن كانوا في يوم من الأيام على مقاعد مركز عالية للتدخل المبكر، جاءوه صفحة بيضاء وخرجوا منه أطفالا قادرين على التواصل مع المجتمع يلهون ويضحكون ويعبرون عن فرحهم وغضبهم واستيائهم وإعجابهم بكل أريحية وبلا قيود وأغلال ظل المرض في ليالٍ قاسية يكبلهم بها، وعلى مقاعد المدارس الحكومية وبفضل جهود المركز كان لهم التصفيق الأول و تشاطروا كراساتهم وأقلامهم مع قرائهم الأسوياء وشاركوهم ملاعبهم وساحاتهم، وها هم يحملون على عاتقهم شكر لله ومن ثم المركز وكل يد امتدت ليكونوا في هذا الموقع في يوم من الأيام.

58 طفلا وأكثر من 100 على قائمة الانتظار، لاحت لهم في الأفق بارقة أمل بتصريح جلالة ملك البلاد أخيرا بتكفله بسد العجز المالي في المركز على أن تكون تغطية العجز ودعم المركز ماليا بشكل دائم على نفقته الخاصة حرصا من جلالته على استمرار المركز في تقديم برامجه وخططه التعليمية لفئة ذوي الاحتياجات الخاصة من أطفال التوحد، على حين تنفس ذووهم الصعداء بعد أن أقلق مضاجعهم هاجس إغلاق المركز مع كل ضائقة مالية خلال السنوات الأربع الماضية.

مبنى لأطفال التوحد مع وقف التنفيذ

إلا أن الطموح مازال كبيرا والتحديات أكبر وبعد هذه الخطوة الملكية لا بد أن تصل أصوات أطفال غير قادرين على التواصل مع المجتمع إلى جميع المؤسسات والشركات في القطاع الخاص، من أجل دعم المركز، وأن تحفز جميع الوزارات والجهات الرسمية الأخرى على مد يدها بأكبر مساعدة ممكنة، ولاسيما أن متوسط كلفة الاستشاريين الدوليين الذين يشرفون على تدريب الأطفال والمدرسات، يبلغ 100 ألف دينار في العام، وبذلك فإن المركز مازال في أمسِّ الحاجة إلى استمرار التبرعات وزيادتها، إيفاء بمتطلبات استمراره، فضلا عن حاجته إلى بناء مقره الجديد على الأرض التي قامت وزارة التنمية الاجتماعية بتخصيصها إليه في منطقة عالي ضمن مجمع الإعاقة.

«عالية» في سطور

أربعة أعوام مضت على افتتاح مركز عالية للتدخل المبكر ضم في بادئ الأمر 16 طفلا ليرتفع العدد اليوم إلى 58 طفلا على فترتين مسائية وصباحية فضلا عن وجود أكثر من 100 طفل على قوائم الانتظار، حياتهم مرهونة باستمرارية المركز وفق سقف تطلعات القائمين عليه. وكل عام يمر يدق ناقوس الخطر، منبئا بضرورة تدارك علاج المصابين بالتوحد، كادر متنوع من البحرينيين والأجانب رجالا ونساء تدشن لهم مؤسسة أميركية زيارات كل ثلاثة إلى ستة أشهر وتوافيهم بآخر تطورات علاج التوحد ليتم تطبيقها على الأطفال.

بخلاف مرضى التخلف العقلي وغيرهم، يخضع مرضى التوحد لعلاج متخصص يقوم على حالات فردية متمايزة لا تتشابه حالة مع الأخرى في أعراضها فضلا عن علاجها وبغياب الإحصاءات في وزارة الصحة عن أعدادهم فضلا عن عدم التيقّن بمسببات المرض التي أرجعها البعض إلى الوراثة والجينات في حين حصرها البعض الآخر في تزايد نسبة السموم والمعادن وغيرها. وتزداد نسبة الإصابة بالتوحد في العام لتصل الآن إلى 14 طفلا في كل 1000 طفل وفق ما تشير له الإحصاءات العالمية الرسمية.

جهود المركز كبيرة وخطوة جلالة الملك متوقعة، وليس بغريب على مجتمع يوصف بالتكافل الاجتماعي أن يمد يدا بيضاء لرسم ابتسامة أمل على شفاه لا تعي سوى البراءة، فضلا جهود عن مؤسسات حكومية على رأسها وزارتي التربية والتعليم والتنمية الاجتماعية بالتعجيل في دعم المركز، فكل دقيقة تمضي يمضي معها أمل علاج تلك الملامح الجميلة.

صحيفة الوسط البحرينية - العدد 1964 - الثلثاء 22 يناير 2008م الموافق 13 محرم 1429هـ