توحد

الأندماج فى المدارس #التوحد الجزء الأول


أطلق صرخات عالية دوت في أرجاء تلك المدرسة الحكومية، وفي سلوك غير متوقع هاجم زملاءه، لكنه ما لبث أن احتضنهم وأطبقت قبلات سريعة وقوية على وجناتهم، كل ما كان يريد الوصول إليه آنذاك هو إلقاء التحية فقط لا غير، ونظرا إلى عدم قدرته على التعبير وافتقاره لأبجديات التواصل مع المجتمع عبّر عن مشاعره الداخلية وحبه لزملائه بعدوانية غير مقصودة. والآن وبعد قضائه أربع سنوات في مركز عالية للتدخل المبكر، 10 أطفال كان هو منهم انخرطوا في المدارس الحكومية وشاطروا أقرانهم مقاعدهم الدراسية وكان لهم التصفيق الأول لتفوقهم، واليوم 58 طفلا في المركز وأكثر من 100 طفل على قائمة الانتظار ينتظرون المصير نفسه والتصفيق ذاته.

«الوسط» كانت لها جولة في «مركز عالية» أخيرا لتسطير قصص أولئك الأطفال، بعضهم جاء صفحة بيضاء وآخرون قضوا أجمل أيامهم في مدارس داخلية خارج البحرين كما آثر ذوو البعض الآخر منهم أن يقطع المسافات ذهابا وإيابا ليضمن تعليم طفله المصاب بالتوحد في المركز.

****

بعد معاناة أربع سنوات وتدخل الملك لسد عجزه المالي... في «عالية للتدخل المبكر»

قصص ملامح طفولية جميلة تنتظر من يضيء دربها بشمعة

سترة - زينب التاجر

قد يخنقك ازدحام المرور على جسر سترة المعتاد وتلفح وجهك زخات المطر هنا وهناك حتى تلمح لافتة، وقد كتب عليها « لليمين مركز عالية للتدخل المبكر»، ولن تعدم الوسيلة لإيجاد موقف لسيارتك أمام ذلك المبنى الذي يبد لوهلة أنه حضانة للأطفال بألوانه الزاهية ورسومه المبهجة، وما ان تدخل من أبوابه المفتوحة على مصراعيها التي ترحِّب بالضيوف والزائرين، حتى تلمح يدا تلوح لك من بعيد لترشدك إلى مكتب الإدارة.

بابتسامة عريضة وبترحيب حار يدخل القلب وملامح سمراء تستقبلك المشرفة الفنية والإدارية في المركز هايدي وديع، وعلى عجالة تجول بنظرك هنا وهناك لأرجاء مكتب تشاركته مع إحداهن عكفتا خلاله على لملمة استمارات وأوراق وبيانات «بقايا أطفال» بحاجة لأبجديات القدرة على التواصل مع المجتمع.

شعر ناعم وآخر أجعد، بشرة بيضاء وأخرى سمراء، أطفال يختلفون في ألوان بشرتهم وملامحهم ويتفقون على صفة واحدة وهي «الجمال» فضلا عن «خفة الظل»، أطفال لا يشك الناظر لهم ولو للحظة في أنهم أطفال أسوياء يركضون ويضحكون ويطلقون النكات، يدققون النظر في كل زائر غريب علهم بذلك يجدون منه إضاءة شمعة في دربهم الطويل. حميمية المكان ودفؤه تلغي إحساسك الأول بكونه حضانة للأطفال أو حتى مدرسة للطلبة والطالبات، يجمع بين طفولية الحضانة وعلم المدارس ورسميتها، مدرسات بحرينيات وآخرون أجانب رجالا ونساء رهنوا أنفسهم ووضعوا مستقبلهم المهني على كف عفريت في مركز ظل مهددا بالإغلاق لمدة أربع سنوات في سبيل رسم السعادة على ملامح أعلى ما تطمح له أن تحيا حياة طبيعية بعيدا عن الوحدة والعجز.

لكل طفل منهم قصة وظروف قد تختلف وقد تتشابه ظروفها إلا أن نهايتها واحدة، نهاية آخر مطافها «مقعد في مركز عالية للتدخل المبكر»، يصعب علينا حصر جميع تلك القصص والقصص التالية غيض من فيض مما يدور خلف تلك الجدران الزاهية الألوان.

القصة الأولى

دموع الفرح ببزوغ الأمل

لم تستطع أن تحبس دموعها في جفنيها بعد أن تلقت مكالمة هاتفية من أحد الأصدقاء يبشرها منذ أربع سنوات مضت بافتتاح مركز يعنى باستقبال أطفال التوحد في موطنها البحرين على قدر من المهنية والتطور العلمي ويعنى بعلاج الأطفال المصابين بصعوبة في التواصل والسلوك في التعامل مع المجتمع، دموع ذرفتها وهي تضحك بعد ست سنوات قضتها ذهابا وإيابا إلى إحدى المدارس الداخلية المعنية بأطفال التوحد في المملكة الأردنية.

جرت الخطى وعادت تلك الأم بطفلها ليلتم شمل عائلتها من جديد أخيرا وكانت من أوائل المسجلين في المركز، إلا أن فرحتها لم تكتمل بتحسن سلوك ابنها وبات شبح وكابوس الغربة يطاردها في كل لياليها بعد مرور المركز بضائقته المالية.

القصة الثانية

جهود في الوقت الضائع

ومن خلف جدران باردة في منازل لم تعلم بحاجة أطفالها إلى العناية الخاصة وبعد سبعة أعوام وعلى مقاعد الدراسة في إحدى المدارس الحكومية، وجد نفسه ذلك الطفل غريبا غير قادر على النطق والتعبير عما يجول بفكره، غير قادر على التواصل مع أقرانه، فما كان منه في خطوة للتمرد على المجتمع والقدر على حد سواء سوى انتهاج سلوك عدواني والصراخ عل صراخه يوصل ما يريد أن يقوله، ولعل كل ما يرنو للنطق به هو إلقاء التحية فقط، ولا تختلف قصة قرينه ذي الإحدى عشرة سنة كثيرا عنه حينما التحق بمركز عالية للتدخل المبكر بعد أن عجزت المدارس الحكومية في التعامل معه، جاء غير قادر على دخول الحمام وقضاء حاجته الأساسية، غير قادر على إلقاء التحية والتحدث وتمييز الألوان والأرقام.

إحدى عشر عاما وضعت المركز ومدرساته في تحدٍ لسباق دوران ساعة الزمن على أمل استدراك ما فات ذلك الطفل ومحاولة عدم اللعب في الوقت بدل الضائع، وبتعكزه على سواعدهن بات قادرا على التواصل مع مجتمع رفضه صغيرا وأشفق عليه كبيرا، وها هو الآن يخطو على عراقيل وضعها القدر وأخرى وضعها المجتمع ومؤسساته.

القصة الثالثة

15 عاما من الغربة

في وقت مازال اسم «مرض التوحد» غير موجود كاسم في البحرين لم تجد إحدى الأمهات مهربا من الهجرة وتحمُّل الغربة والسفر للمملكة المتحدة مقدمة عمرها قربانا لطفلها المصاب بالتوحد، 15 عاما قضتها في أروقة المراكز في بريطانيا وعادت ملقية كلمة الأمهات في إحدى حفلات المركز الخيرية أخيرا بنبرة مختنقة، لتبكي الحضور، قامته الطويلة وشعره الناعم وملامحه الهادئة وبشرته البيضاء التي ورثها عن أمه كانت السمات المميزة لطفلها الذي سافر طفلا وعاد شابا ينتظره مستقبل مشرق في مركز عالية للتدخل المبكر بسواعد منتسبيه والمشرفين عليه وسواعد من لا يضيع فرصة لرسم الابتسامة على شفاه لم تعرف سوى الألم طوال سنين.

القصة الرابعة